أزمة دستور 2012.. أخطر أسرار الجمعية التأسيسية يرويها الدكتور وحيد عبد المجيد.. التخبط الذى حدث منذ إعلان تعطيل العمل بدستور 1971 وتشكيل لجنة لتعديل بضع مواد يوم 13 فبراير 2011 حال دون تحقق الحلم

الثلاثاء، 11 يونيو 2013 - 10:02

الرئيس محمد مرسى يستلم الدستور من حسام الغريانى الرئيس محمد مرسى يستلم الدستور من حسام الغريانى

وثيقة الدكتور على السلمى أشعلت معركة بين أنصار "المبادئ الحاكمة للدستور" ورافضى هذا التوجه وفى مقدمتهم أحزاب وقوى الإسلام السياسى

بعض الأحزاب الليبرالية والوسطية والشخصيات المستقلة أخطأت حين وضعت خطر الحكم العسكرى فوق خطر هيمنة تيار واحد

انفردت جماعة "الإخوان" باختيار أعضاء جمعية تأسيسية تم "انتخابهم". من خلال اتفاقها مع حزب النور متجاهلة الحديث عن التوافق

مصر كانت فريدة فى إصدار دستور اعترفت السلطة التى أصرت على تمريره – قبل إصداره - بأنه يحتاج إلى تعديل
تقوم "اليوم السابع بنشر فصول من كتاب" أزمة دستور 2012.. توثيق وتحليل، والتى يقدم فيها د. وحيد عبد المجيد شهادة من داخل الجمعية التأسيسية، ويكشف فيها أسرار الجمعية وتفاصيل التشكيل والخلافات والمناقشات، وصولا إلى انسحاب القوى المدنية، وما تلاها.

الدكتور وحيد يقدم فى كتابه، شهادته بوصفه مشاركا فى هذه الجمعية، حتى الخطوات الأخيرة، ويقدم شهادة حية تزدحم بالتفاصيل.

والكتاب من خمسة فصول بالإضافة إلى ملاحق وقوائم التأسيسية الأولى والثانية، ويتضمن الفصل الأول أزمة تشكيل الجمعية التأسيسية، بينما الفصل الثانى عن "مرحلة التعلق بالأمل فى التوافق"، ثم الثالث "خطة خطف الدستور تبدد الأمل"، والرابع عن " الانسحاب من جمعية فقدت صفتها التأسيسية"، ويختتم بفصل " كشف المستور عن أوزار الدستور"، بالإضافة الى الملاحق.

ويبدأ الدكتور وحيد عبد المجيد مقدمة عن القضية كلها يرجع فيها السبب فى الأزمة إلى تعديلات مارس 2011، وأخطاء المجلس العسكرى وأزمة الجمعية الأولى ويرى أنه عندما بدأت الشعوب فى التحرر من طغيان الاستبداد، الذى أخذ أشكالا مختلفة منذ أن انتظمت حياة البشر فى مجتمعات مستقرة، ظهرت الحاجة إلى نوع من التعاقد يحدد الحقوق والواجبات. فلا مجال لمثل هذا التعاقد إلا فى وجود طرفين يرغبان فى تنظيم العلاقة بينهما. ولم يحدث ذلك إلا فى مطلع العصر الحديث، بعد أن ظل البشر على مدى تاريخهم المكتوب وما قبله خاضعين لسطوة من يملك السلطة أو يستولى عليها اعتماداً على القوة بأدواتها المختلفة.

فطوال هذا التاريخ، كان صاحب السلطة آمراً ناهياً. وكانت الشعوب خاضعة لهذه السلطة فى معظم الأوقات، ومقاومة لطغيانها فى بعض الأحيان. وفى كل الأحوال، لم يكن للشعوب حول ولا قوة ولا دور فى اختيار من يحكمها أو محاسبته أو تغييره إلا على سبيل الاستثناء.

ولذلك لم يكن متصوراً وجود أى نوع من التعاقد الذى بدأت مقوماته فى الظهور حين شرعت الشعوب فى التحرر وأخذت تتطلع إلى الدستور الذى يضمن حقوقها ويحدد واجباتها وينظم العلاقة بينها وبين السلطة، ثم بين الفئات المكونة لهذه الشعوب.

وكثيرة هى النظريات التى تفسر التطور التاريخى منذ أن استقر البشر فى مجتمعات وصارت هناك حاجة إلى سلطة تنظم أوضاعهم، وكيفية حدوث التحول من تحكم تلك السلطة فى حياة الناس بشكل مطلق إلى مشاركتهم فى إدارة شئون هذه الحياة. ولكن المهم هو أن هذا التحول غيَّر المعادلة التى هيمن فيها طرف واحد (السلطة) على الطرف الآخر (الشعب).

فصار هناك طرفان لابد من تنظيم العلاقة بينهما فى صورة تعاقد يُطلق عليه دستور يرتضيه الشعب بمختلف مكوناته وفئاته واتجاهاته.

فالدستور هو نوع من التعاقد الذى ينَّظم العلاقة بين أى طرفين على مستويات مختلفة فى كل مجتمع، فهو عقد، مثله مثل أى نوع من التعاقد الثنائى أو الجماعى بين أشخاص أو شركات أو مؤسسات، أو بين شخص طبيعى وشخص اعتبارى أو أكثر. ولكنه هو العقد الأكبر للمجتمع كله.

وإذا كانت العقود الصغيرة تقوم على الاتفاق والرضا المتبادل، أى التوافق بين طرفى كل منها أو أطرافها، فما بالنا بالعقد الأكبر. وإذا كانت عقود قصيرة المدى محددة بعام أو عامين تتطلب اتفاقاً ورضا متبادلا، أى توافقاً، فما بالنا بالعقد الذى ينَّظم الحياة فى مجتمع كامل لفترة غير محددة تمتد لعقود من الزمن.

ورغم أن شعوباً فى جنوب العالم لا تزال تحلم بدساتير تقوم على مثل هذا التوافق، وأخرى تجاوزت مرحلة الحلم إلى النضال من أجل تحقيقه فى مواجهة سلطات مستبدة، فقد بدا أن الشعب المصرى اقترب من تحقيق حلمه فى دستور توافقى يعبر عن مختلف مكوناته ويضمن حقوقه وحرياته بعد ثورة 25 يناير.

غير أن التخبط الذى حدث منذ إعلان تعطيل العمل بدستور 1971 وتشكيل لجنة لتعديل بضع مواد فيه يوم 13 فبراير 2011 حال دون تحقق هذا الحلم. فالآلية التى اعتُمدت عبر استفتاء 19 مارس 2011، الذى خُلطت فيه أوراق ما كان لها أن توجد فى سياق واحد أصلاً، جعلت الدستور قضية صراع حاد وليس موضوعاً لتوافق جاد.

فقد أدت هذه الآلية، التى أتاحت تحكم الأغلبية فى أول مجلس نيابى منتخب بعد الثورة فى عملية صنع الدستور، إلى أزمة كبرى لم تنته بفرض هذه الأغلبية إرادتها وإصدار دستور لا يحظى بتوافق وطنى ولا يعبر عن كثير من مكونات المجتمع الأساسية.

وحدث ذلك نتيجة اقتران ثلاثة معطيات: أولها ارتباك المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذى آلت إليه إدارة شئون البلاد بعد إسقاط الرئيس السابق حسنى مبارك فى 11 فبراير 2011. وثانيها مصالح جماعة "الإخوان المسلمين" التى اعتبرت السلطة هدفاً وحيداً لها وسعت إلى الانفراد بها. وثالثها أوهام السلفية السياسية التى ظهرت بعيد الثورة واعتقادها فى أن الدستور يعتبر وثيقة عقائدية وليس عقداً اجتماعياً وعدم إدراكها أن قضية الشريعة التى شغلت المجتمع بها تتعلق بالتشريع القانونى وليس الدستورى.

وهكذا، فبين منتصف فبراير 2011 وآخر ديسمبر 2012، أُدخلت مصر فى صراع رهيب على الدستور فى الوقت الذى كان شعبها فى حاجة إلى تعاون كبير لمعالجة التركة الثقيلة المتراكمة عبر عقود واستثمار الطاقة العظيمة التى انفجرت فى أيام الثورة الثمانية عشر لبناء وطن ديمقراطى عادل يتسع لكل أبنائه ويبدأ طريقه إلى التقدم الذى يستحقه.

فقد أفضى التخبط الذى حدث فى الأيام التالية لتخلى مبارك عن السلطة إلى مسار مأساوى بدأ بإصدار "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" صباح 13 فبراير 2011، أى بعد أقل من 48 ساعة على توليه السلطة الفعلية، إعلانا دستوريا عطل فيه العمل بدستور 1971، وقراراً بتشكيل لجنة لإجراء تعديلات فى عدد من مواد هذا الدستور أو بالأحرى إعادة تشكيل اللجنة التى كان الرئيس السابق حسنى مبارك قد كلفها بهذه المهمة عشية تخليه عن السلطة.

وأدى ذلك إلى احتدام الصراع ونشوب معارك سياسية عدة على مسألة الدستور كانت المعركة الأولى حول الجدول الزمنى لمرحلة الانتقال وموقع هذا الدستور فيها، وهى المعركة التى تُعرف باسم "الدستور أم الانتخابات أولاً". وقد عجلت هذه المعركة بظهور الاستقطاب السياسى – الاجتماعى الحاد بعد أن ظل كثير من ظواهره الأكثر حدة محجوزاً ومكبوتاً بفعل القوة الأمنية الباطشة على مدى عقود.

فكان هذا الاستقطاب قد أنتج طاقة سلبية هائلة تحت السطح... ولذلك لم يكن فى إمكان الطاقة الإيجابية الرائعة التى فجَّرتها ثورة 25 يناير فى ميدان التحرير، وكثير من ميادين مصر وشوارعها على مدى 18 يوماً أن تعالج آثار تلك الطاقة السلبية التى تراكمت على مدى أكثر من ثلاثة عقود.

ودقت تلك المعركة ناقوس الخطر ونبَّهت إلى مغبة المسار الذى يبدأ بمثلها، ودفعت من رأوا فى هذا المسار نذير شؤم إلى اقتراح إجراء تعديل أوسع فى دستور 1971 يركز على الباب الخاص بنظام الحكم ومد العمل به لفترة محدودة يُعاد فيها بناء البلاد. وقد كنتُ واحداً ممن عبروا عن هذا الاتجاه.

ولكن "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" لم يسمع ناقوس الخطر ومضى فى المسار الخطأ، وحسم معركة "الدستور أولا أم الانتخابات أولاً" وتبنى جدولاً زمنيا يجعل الدستور تاليا للانتخابات البرلمانية بل مرتبطا بنتائجها. ولذلك بدأت على الفور معركة دستورية فجَّرتها مخاوف من هيمنة الأغلبية على عملية وضع مشروع الدستور. فقد وضع الإعلان الدستورى الذى أصدره "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" فى 30 مارس 2011، دون التزام كامل بما تم الاستفتاء عليه، هذه العملية بين يدى مجلسى الشعب والشورى عقب انتخابهما، وربطها بالتالى بالأغلبية فى هذين المجلسين.

ولذلك سعى القلقون من هذه الآلية إلى وضع مبادئ دستورية أساسية تلتزم بها الجمعية التأسيسية المنتخبة من مجلسى الشعب والشورى. وشهدت الفترة من أبريل إلى يونيو2011 إصدار أكثر من عشر وثائق تتضمن هذه المبادئ كما رآها واضعو كلا منها. وكان الاتجاه الغالب فى هذه الوثائق هو أن تكون المبادئ المتضمنة فيها ملزمة لواضعى مشروع الدستور. فباستثناء وثيقة الأزهر ووثيقة "التحالف الديمقراطى من أجل مصر" اللتين تضمنتا مبادئ اعتُبرت استرشادية، انطلقت الوثائق الأخرى كلها من أن هذه المبادئ لابد أن تكون ملزمة.

وأفضت هذه المعركة إلى أخرى عقب تشكيل حكومة د. عصام شرف الثانية فى يوليو2011، حيث تبنى نائب رئيس الوزراء لشئون التحول الديمقراطى فيها د. على السلمى فكرة جمع مشتركات تلك الوثائق كلها فى وثيقة واحدة وإجراء حوار سعيا إلى التوافق عليها. ودارت رحى هذه المعركة بين السلمى وأنصار "المبادئ الحاكمة للدستور" ومؤيدى وضع معايير مسبقة لتشكيل الجمعية التأسيسية من ناحية، ورافضى هذا التوجه وفى مقدمتهم أحزاب وقوى الإسلام السياسى وبعض الأحزاب الليبرالية والوسطية والشخصيات المستقلة التى أخطأت حين وضعت خطر الحكم العسكرى الذى أساء إدارة المرحلة الانتقالية فوق خطر هيمنة تيار واحد باتجاهاته المتعددة على عملية وضع مشروع الدستور. ولم يتبين لمن قللوا خطر هيمنة هذا التيار خطأ موقفهم فى الوقت المناسب لأنهم ركزوا فى تلك الفترة على خطر الحكم العسكرى وحده. وهذا هو ما أدركه كثير منهم بعد ذلك. واعتذر بعضهم للشعب عنه، ومن بينهم كاتب السطور.

وكان ضروريا أن تتواصل معارك الدستور بعد انتخابات مجلسى الشعب والشورى نتيجة غياب معايير محددة لتشكيل الجمعية التأسيسية تضمن تعبيرها عن مختلف الاتجاهات السياسية والفئات الاجتماعية. وفى غياب مثل هذه المعايير، انفردت جماعة "الإخوان" باختيار أعضاء جمعية تأسيسية تم "انتخابهم"، من خلال اتفاقها مع حزب النور، فى الاجتماع المشترك لمجلسى الشعب والشورى فى 24 مارس 2011. ولكنها لم تصمد أكثر من 16 يوما فقط، حيث جرى حلها قبل أن تبدأ عملها فعلياً، وشهدت الفترة بين قرار محكمة القضاء الإدارى الذى قضى بوقف عمل تلك الجمعية فى 10 أبريل 2011 وإعلان تشكيل الجمعية الثانية فى 12 يونيو من العام نفسه حوارا ممتداً ومفاوضات مكثفة سعيا إلى نوع من التوافق فى أجواء يسودها انقسام واستقطاب حادان.

ورغم أن تشكيل الجمعية الثانية جاء أفضل بدرجة ما مقارنة بسابقتها، فقد ظلت فيها عيوب كبيرة أهمها عدم التوازن بين الاتجاهات السياسية وغياب معايير واضحة لتمثيل الفئات الاجتماعية المختلفة. ولذلك ظلت المعركة حول تشكيلها مستمرة فى الوقت الذى بدأت فى وضع مشروع الدستور على أساس تفاهم بين "الإخوان" وممثلى القوى الديمقراطية فى هذه الجمعية على أن يكون عملها توافقياً. وأخذ هذا التفاهم صورة التزام وتعهد من جانب "الإخوان" بعدم تمرير أية مادة تتعلق بالقضايا الخلافية الجوهرية بدون توافق، وعدم اللجوء إلى التصويت إلا فى المسائل التفصيلية.

ولكن ما أن اطمأن "الإخوان" إلى أن السلطة أصبحت بين أيديهم، بعد أن أبعد الرئيس محمد مرسى "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" من المشهد السياسى عبر الإعلان الذى أصدره فى 12 أغسطس 2012، حتى اعتبروا الدستور ركناً أساسياً فى مشروع الهيمنة والتمكين الذى وجدوا أن الطريق بات مفتوحاً إليه.

وعندئذ، ومنذ أوائل سبتمبر 2012، بدأ تراجع "الإخوان" التدريجى بطريقة ناعمة عن تعهدهم بدستور توافقى يُنتج أزمة أخذت فى التفاقم يوماً بعد يوم على نحو دفع ممثلى القوى الديمقراطية والمستقلين الذين تطلعوا إلى دستور يليق بمصر إلى الانسحاب من الجمعية التأسيسية، ومعهم أغلبية كبيرة فى اللجنة الفنية الاستشارية المحايدة رفضوا أن يكونوا شهوداً على إصدار مشروع دستور ليس له من اسمه نصيب.

فالدستور، فى عصرنا هذا، لا يكون دستوراً إلا إذا حظى بتوافق وطنى من خلال تعبيره عن مختلف مكونات المجتمع وضمان حقوقها وحرياتها وتنظيم العلاقة بين سلطات الدولة على أساس ديمقراطى.

ورغم أن مصر ليست وحيدة فى عالمنا الراهن من حيث افتقاد دستور بهذا المعنى، حيث لا تزال الشعوب تناضل من أجل دساتير تعبر عن إرادتها فى أكثر من ثلث الدول التى يجمع بينها التخلف والاستبداد، فهى فريدة فى إصدار دستور اعترفت السلطة التى أصرت على تمريره – قبل إصداره - بأنه يحتاج إلى تعديل وأنها ستبادر إلى طلب إجراء هذا التعديل فيه ولكن بعد أن يصدر! فلم يحدث فى تاريخ العالم الدستورى أن دعا رئيس دولة إلى الاستفتاء على مشروع دستور رغم إعلانه هو ونائبه – فى الوقت نفسه - أنه يحتاج إلى تعديل.

غير أن هذا الاعتراف ليس هو الدليل الوحيد على استمرار أزمة دستور 2012 بعد فرضه عن طريق استفتاء لم تتوفر له ضمانات الحرية والنزاهة الكافية، سواء لخلط موضوعه دون أساس بقضية أخرى تماما تلمس أوتارا حساسة لدى قطاع واسع من المصريين وهى قضية الاستقرار، أو للمخالفات الواسعة التى حدثت خلال عملية الاقتراع ورصدتها منظمات المجتمع المدنى فى ظل مقاطعة عدد كبير من القضاة الإشراف عليه.

وهذا فضلا عن أن دستوراً يصدر بعد ثورة عظيمة لا يصح تمريره إلا بمشاركة نصف الناخبين المقيدين على الأقل، وبنسبة لا تقل عن ثلثى الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم. فلا يصح إصدار دستور عبر استفتاء يشارك فيه 20 فى المائة فقط ممن يحق لهم الاقتراع، حتى بافتراض أن هذه النسبة صحيحة فى ضوء المخالفات التى تم رصدها. وحتى فى ظل هذه المشاركة الضئيلة لا يتوفر دليل على أن من قالوا نعم فى الاستفتاء يعرفون تفاصيل المشروع الذى استُفتوا عليه. فلم يتسن للأغلبية الساحقة الإطلاع على هذا المشروع بسبب إجراء الاستفتاء بعد ثلاثة أسابيع فقط على إعداده ونتيجة خلط موضوعه بقضية الاستقرار دون سند. فإذا كانت ثمة علاقة بين مسألتى الدستور والاستقرار، فهى لا تكون طردية إلا إذ كان هذا الدستور توافقياً ومعبراً عن مختلف مكونات المجتمع، وإلا صارت عكسية فى الأغلب الأعم.

ولذلك كله، ولأن الوقائع الأساسية للصراع الحاد على هذا الدستور حدثت داخل الجمعية التأسيسية التى لم يتابع المصريون تفاصيل ما دار فيها، وجدتُ أن واجبى وقد كنت عضواً فى هذه الجمعية ومشاركاً أساسياً فيما حدث داخلها وفيما سبقها من تفاعلات، أن أقدم شهادتى موثقة للشعب وللتاريخ محاولاً الفصل بين الأحداث التى حرصتُ على روايتها كما حدثت بشخوصها ومحتواها من ناحية والتحليل الذى ينطوى على رأيى ورؤيتى من ناحية ثانية.
فالتحليل، كما كتبتُ وقلتُ من قبل، هو ملك لصاحبه ويتأثر برأيه ورؤيته ونظرته إلى الأحداث فيتفق معه من يتفق ويختلف معه من يختلف. ولكن التوثيق ملك للتاريخ ويعتبر نوعاً من التأريخ الذى ينبغى أن يكون محايداً وبعيداً عن رأى من يقوم به ورؤيته.

ولذلك أدعو كل من قد تكون لديه ملاحظات على الأحداث التى أروى وقائعها هنا، وخصوصاً من شاركوا فيها، أن يزودنى بها لإثباتها فى الطبعة الثانية. فقد يكون للحدث الواحد أكثر من جانب أووجه، وليس فقط أكثر من زاوية للرؤية. وقد يفوت على المشارك فيه أحد جوانبه أو يغفل بعض أجزائه، وجل من لا يسهو.

ويبدأ وحيد عبد المجيد فى لفصل الثالث روايته عن"خطة خطف الدستور تبدد الأمل" ويقول إنه مع نهاية الشهر الثانى للجمعية التأسيسية، كان القلق قد بدأ يزداد لدى عدد من ممثلى القوى الوطنية الديمقراطية فيها. وكانت إجازة عيد الفطر (18 – 21 أغسطس 2012) فرصة استثمرتُها فى مراجعة المشهد داخل الجمعية من مختلف جوانبه. وكانت نتيجة هذه المراجعة هى أن ممثلى السلفيين استنزفونا فى مواجهة محاولات إضفاء صبغة دينية مباشرة على الدولة لا يعرفها الإسلام بل تخالف أصوله التى نؤمن بها وأن ما أنجزناه على صعيد بعض الحقوق والحريات السياسية والمدنية لا يزال مكتوباً بقلم رصاص يسهل محوه، وأننا لم نُحرز أى تقدم باتجاه الحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى حد قد يجعل الدستور الجديد خالياً من أى ضمانات تحول دون العصف بها.

ولذلك طرحتُ على عدد من ممثلى "الإخوان" والسلفيين فكرة عقد جلسات توافقية على هامش أعمال الجمعية بهدف التوصل إلى حلول للقضايا الخلافية الأكثر أهمية والأشد حساسية، فى إطار ما سبق الاتفاق عليه وهو الالتزام المتبادل بعدم حسم المواد المتعلقة بالقضايا الأكثر إثارة للخلاف عبر التصويت.


وتوصلنا بالفعل إلى اتفاق على أن يكون المشاركون فى هذه الجلسات محدودى العدد حتى تتاح فرصة لحوار جاد، وأن يكونوا ممثلين للأطراف الأساسية فى الجمعية وهى القوى الديمقراطية و"الإخوان" والسلفيين والأزهر والكنائس.

وكان أهم ما فى هذا الاتفاق إعادة تأكيد ما سبق أن التزمنا به جميعاً عند تشكيل الجمعية التأسيسية وبدء عملها، وهو التعهد المتبادل بالسعى إلى التوافق على القضايا الأكثر أهمية وحساسية فى ثلاثة مجالات رئيسية هى الحقوق والحريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والعلاقة بين الدين والدولة، ونظام الحكم.

كما تم الاتفاق، بناء على إلحاح من ممثلى "الإخوان" والسلفيين، على أن نبدأ بقضية العلاقة بين الدين والدولة والتى كانت موضع اهتمامهم الرئيسى. وكان هذا هو أول خطأ جوهرى ارتكبناه. فقد غلَّبنا حسن النية إلى حد أننا لم نتصور احتمال أن نتعرض لخداع أو غدر بعد التوافق على هذه القضية. وهو ما حدث بالفعل عندما لجأ السلفيون و"الإخوان" إلى المراوغة والتهرب من استحقاق التوافق على قضايا الحقوق والحريات ونظام الحكم بعد أن توصلنا إلى توافق مبدئى غير مكتمل على العناصر الأساسية لقضية العلاقة بين الدين والدولة، رغم الاتفاق الصريح على أن التوافق يكون على جميع القضايا أولا يكون.

أولاً: البحث عن فرصة للتوافق:

كان الاجتماع الأول للتوافق المبتغى يوم الثلاثاء 28 أغسطس فى إحدى قاعات مجلس الشورى، حيث عُقدت الاجتماعات التالية أيضاً، بحضورى وثلاثة آخرين من ممثلى القوى الديمقراطية هم السيد عمرو موسى ود. السيد البدوى ود. أيمن نور، واثنين من الإخوان هما د. فريد إسماعيل ود. أحمد دياب، واثنين من السلفيين هما د. يونس مخيون ود. محمد سعد، بالإضافة إلى المهندس أبو العلا ماضى ود. محمد محسوب اللذين قاما بدور "الميَّسر" للحوار قبل أن يتبين انحيازهما إلى "الإخوان" والسلفيين. ولم يحضر أحد من الأزهر هذا الاجتماع الذى تم الإعداد له قبل موعده بساعات، بينما حضر المستشار إدوارد غالب ممثلاً للكنيسة.

وكان الحضور جميعهم من أعضاء الجمعية فيما عدا د. السيد البدوى الذى شارك فى هذه الاجتماعات كلها باستثناء اثنين منها فقط.

وتركز النقاش فى ذلك الاجتماع، الذى كان بطابعه استكشافيا، على إيجاد بديل لفكرة مرجعية الأزهر فى تفسير الشريعة الإسلامية، والتى كان هناك خلاف عليها كما سبق إيضاحه فى الفصل السابق. واقترح محمد سعد الأزهرى إضافة مادة تنص على أنه (لا يجوز سن تشريعات مخالفة للشريعة الإسلامية). وقوبل هذا الاقتراح بمعارضة من جانبى وكل من السيد عمرو موسى ود. السيد البدوى والمستشار إدوارد غالب، ولذلك حاول مقدم الاقتراح تجميله بإضافة (والحقوق والحريات المنصوص عليها فى هذا الدستور) بحيث تكون المادة المقترحة كالتالى: (لا يجوز سن تشريعات مخالفة للشريعة الإسلامية وللحقوق والحريات المنصوص عليها فى هذا الدستور).

وكانت هذه بداية اللجوء إلى أسلوب المساومة أو الصفقة الذى يمكن قبوله اضطراراً فى بعض الخلافات التى لا سبيل آخر لحلها، ولكنه لا يصح أن يكون قاعدة عامة أو منهجا لصناعة دستور يُفترض أنه يعبر عن مختلف فئات المجتمع. ولقيت هذه الصيغة دعما من جانب المهندس أبوالعلا ماضى، ود. محمد محسوب اللذين حاولا الضغط علينا لقبولها. ولكن الأمر كان فى حاجة إلى نقاش أوسع وأكثر استفاضة فى اجتماع تال لم ينعقد إلا بعد ما يقرب من شهر كامل، وإن كانت الفترة بين هذين الاجتماعين شهدت نقاشات ثنائية وثلاثية سعياً إلى إيجاد صيغة ملائمة لما أراده السلفيون وهو الحصول على مقابل للإبقاء على المادة الثانية كما هى (مبادئ الشريعة الإسلامية هى المصدر للتشريع).

ورغم أن اجتماع 28 أغسطس كان مغلقاً تماما، ولم يأخذ الإعلام علماً به، فقد نُشر فى بعض المواقع الأليكترونية أن هناك اتجاهاً لإضافة مادة تنص على عدم سن تشريعات تخالف الشريعة الإسلامية، بينما نُشر فى مواقع وصحف أخرى ما يفيد أن الاتجاه هو إلى أن تنص المادة المضافة على مرجعية الأزهر، ولذلك أصدرتُ تصريحاً رسمياً باسم الجمعية يوم 4 سبتمبر 2012 نفيت فيه ما تردد حول إضافة مادة تنص على عدم إصدار تشريعات مخالفة للشريعة، أو على مرجعية الأزهر بشأن هذه الشريعة.

ونظراً لأن الوضع كان صعباً بالنسبة إلى ممثلى القوى الديمقراطية بسبب قلة عددهم من الأصل، فضلاً عن غياب خمسة منهم أعلنوا رفضهم المشاركة منذ البداية، فقد شعرنا بأهمية انضمامهم إلينا. وكانت هناك اتصالات جارية من جانب بعض ممثلى "الإخوان"، وتحديداً د. محمد البلتاجى، مع بعضهم لإقناعهم بالحضور ضمن جهود العلاقات العامة التى استهدفت تحسين صورة الجمعية. غير أنه لم يكن سامح عاشور بين من اتصل بهم البلتاجى. ولذلك وجدتُ ضرورة فى الاتصال به لأنه أحد أكثر الغائبين من ممثلى القوى الديمقراطية قدرة على الحوار وامتلاكاً للروح النضالية اللازمة فى معركة كانت ضراوتها تزداد يوما بعد آخر. ولذلك ناقشتُ هذا الموضوع مع د. أيمن نور الذى قام بالاتصال به والاتفاق معه على أن نلتقى ثلاثتنا على الغذاء فى نادى السيارات ظهر يوم 4 سبتمبر 2012. وقد تحدثتُ معه باستفاضة ونقلتُ إليه صورة ما يحدث فى الجمعية وأوضحتُ له مدى حاجتنا إلى وجوده، على أن يقترن حضوره بتوقيع ممثلى القوى الديمقراطية وثيقة تلزمنا بالانسحاب الجماعى فى حالة عدم قدرتنا على التوصل إلى مشروع دستور يحقق تطلعات شعبنا ويحمى حقوقه وحرياته، فوعد بأن يفكر. ولكنه ثبت فى النهاية على موقفه.





 


مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق

بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع




الأكثر قراءة