"بيتر بروك".. سار خلف مشاعره فأصبح أهم مسرحى فى العالم

الأربعاء، 4 يناير 2012 - 07:46

المسرحى الإنجليزى بيتر برو المسرحى الإنجليزى بيتر برو

كتب بلال رمضان

"لم يتلق قبل أن يعمل فى المسرح تدريبًا أو يتخرج فى أكاديمية بل كان يسير خلف مشاعره وحماسه".. إنه الإنجليزى "بيتر بروك" أحد أهم المسرحيين فى العالم المعاصر، والذى يعد أول فائز بجائزة الفجيرة للإبدع المسرحى، والذى يقام برعاية من الشيخ راشد بن حمد الشرقى، رئيس هيئة الفجيرة للثقافة والإعلام، والجهة المنظمة لمهرجان المونودراما والراعية للجائزة التى انبثقت عنه لأول مرة هذا العام بمناسبة دخول مهرجان الفجيرة عامه العاشر، بدولة الإمارات العربية المتحدة.

ويقول "بروك" عن المسرح "إننا نذهب إلى المسرح كى نعثر على الحياة، لكن تلك الحياة يجب أن تختلف عن الحياة القائمة خارج المسرح، إذاً على الممثلين أن يتدربوا ويجتهدوا إلى درجة الرغبة بالتضحية بتدريباتهم واجتهاداتهم"، مؤكدًا أن المسرح يجب أن يكون فجائيًا، يقود إلى الحقيقة اعتمادًا على المفاجأة والإثارة من خلال المتعة، ويجعل الماضى والمستقبل جزءًا من الحاضر.
يعدّ "بيتر بروك" ظاهرة فنية فريدة، واستطاع خلال مسيرته أن يغيِّر طبيعة العرض الدرامى، خلال تلقيحه بالأشكال الثقافية الشرقية والأمريكية والأفريقية على غرار أنطونان أرطو وأريان مينوشكين وأوجينيو باربا وبريخت وماييرخولد وروتوفسكى، كما غير شكل المسرح الحديث، عن طريق إلغاء الحاجز الوهمى الذى يفصل بين الممثلين والجمهور حتى وصل إلى قمة النجاح وصارت الجماهير تنتظر أى جديد يقدمه.

ويتميز المنهج الإخراجى لدى "بروك" بالتنوع النظرى والمدرسى حتى سمى منهجه الميزانسينى بالمنهج التلفيقى؛ لأنه كان يجمع فى عروضه الدراماتورجية والدرامية بين عدة تقنيات وتصورات إخراجية للذين سبقوه أو جايلوه من المخرجين العظام.. ولم ينغلق "بروك" على المسرح الغربى فحسب، بل اهتم أيضًا بالمسرح الأنتروبولوجى الشرقى القائم على الطقوس الدينية والسحرية والميتافيزيقية والفانطاستيك والـروتيسك.

إن نقطة الالتقاء البارزة بين أعمال "بروك" المسرحية والفكر التقليدى والنظرية الكمية هى الوعى المشترك بالتناقض باعتباره المحرك لكل عملية فى الواقع..فالتناقض له دور بارز فى تغيير الاتجاه الذى اختاره "بروك" لنفسه طوال مشواره الفنى، بداية من تقديم أعمال شكسبير والكوميديا التجارية وصولاً إلى التليفزيون والسينما والأوبرا، ويقول "بروك" (لقد أمضيت حياتى العملية فى البحث عن المتناقضات، والوصول إلى الحقيقة عن طريق المتناقضات هو مبدأ جدلى)، وهو ما يؤكد على دور التناقض كوسيلة لإيقاظ الفهم عند "بروك"، الذى اتخذ من الدراما الإليزابيثية نموذجًا كما يقول "كانت الدراما الإليزابيثية كشفًا ومواجهة وتناقضًا أدى إلى التحليل والتورط والإدراك، وفى النهاية إيقاظ الفهم"، فالتناقض ليس هدامًا إنما هو قوة توازن وله دوره الذى يؤديه فى كل العمليات، وقد يؤدى غياب التناقض إلى تجانس عام وتناقص فى الطاقة والموت فى النهاية، لأن كل ما يحتوى على تناقض يتضمن الحياة.

كان الميلاد الحقيقى لـ"بروك" حين رشح لإخراج مسرحية (الإنسان والسوبر مان) للكاتب البريطانى جورج برناردشو مقابل 25 جنيهًا استرلينيا.. وبعد تجارب فى إخراج عروض من كلاسيكيات المسرح يلخص بروك رؤيته فى سيرته التى ترجمها الراحل الناقد الدكتور فاروق عبد القادر قائلاً: إنه حين يبدأ إخراج عمل ما لا تكون لديه "أية أفكار ثقافية كنت أتبع فقط رغبة غريزية فى صنع صور ذات تأثير.. رغبتى الوحيدة هى استحضار عالم مواز لكنه أكثر إغواء.." وحين كان فى الثانية والعشرين أصبح مخرجًا ثابتًا فى دار الأوبرا الملكية وقال إنه دخلها بهدف واحد يتلخص فى إعطاء تلك المؤسسة قديمة الطراز سلسلة من الصدمات تهزها وتلقى بها إلى عالم اليوم.
ولد "بروك" فى لندن عام 1925، وعمل مخرجاً مسرحياً ومديراً لفرقة شكسبير الملكية فيها، ورأس المركز الدولى للأبحاث المسرحية فى باريس، وأخرج أكثر من خمسين عرضاً مسرحياً، من بينها: "العاصفة" و"الملك لير"، و"حلقة حول القمر"، و"أوديب"، و"مشهد من الجسر"، و"هاملت" و"حلم ليلة منتصف الصيف"، و"مأساة كارمن"، و"المهابهاراتا"، و"بستان الكرز"، وقام بإخراج مجموعة من الأفلام السينمائية، إلى جانب إخراجه لعدد من الأوبرات منها: "زواج فيغارو"، و"بوريس غودونوف"، و"فاوست"، و"يوجين أونيغين". كما ألف مجموعة من الكتب من أبرزها: "الفضاء المسرحى الفارغ" و"النقطة المتحولة"، و"الباب المفتوح"، وهذا الكتاب الأخير عبارة عن سيرة ذاتية للمخرج العالمى الشهير استعرض فيها تفاصيل مهمة وضرورية فى نجاح أى عمل مسرحى وتحديد مستواه الفنى والإبداعى.







الأكثر تعليقاً