(افتح قلبك مع د. هبة يس)...احذروا الألم الصامت

الأربعاء، 24 أكتوبر 2012 - 07:07

د. هبة يس د. هبة يس

أرسلت (ر) إلى افتح قلبك تقول:
أنا متزوجة قريب لى منذ عشر سنوات تقريبا، فى بداية الزواج كانت علاقتنا نحن الاثنان بأسرنا قوية جداً، وكنت أحمد الله على أن زوجى ليس بغريب عن أسرتى حتى لا أحتاج إلى وقت ومجهود لإذابة الفوارق بينهم، وكان زوجى قريباً منهم بالفعل، يحبهم ويحبونه ويعتبرونه أحد أبناءهم.

ولكن الحال انقلب بعد سنوات قليلة، وكانت البداية بأن شكى لى زوجى أنهم يتدخلون كثيرا فى حياتنا، وأن الكلمة كلمة والدتى، وهو يريد أن تكون الكلمة الأولى والأخيرة له، أصبح يطلب منى ألا أحكى لهم أى شىء عن حياتنا، حتى وإن كانت أشياء عامة، كأنى حصلت على وظيفة مثلا، بالرغم من أنى أرى أن أمرا كهذا لا يمكن أن يختبئ طويلا.

أصبح يرفض زياراتى لهم، ويجبرنى على أن تكون زيارات خاطفة وسريعة ومتباعدة أيضا، حتى إنه أصبح يتضايق من ركوبى معهم فى سيارة والدى، ويقول إن مكانى هو سيارتنا نحن وليس عندهم، والأسوأ من ذلك أنه أصبح يتجهم فى وجههم عند زيارتنا، مما سبب لهم الإحراج الشديد ودفعهم لعدم زيارتى مرة أخرى.\

سأحكى لكى يا دكتورة بعض أمثلة (التدخل) الذى يشكو منه زوجى، ولكى أنت الحكم، فمثلا اتهم والدتى بأنها أخطأت خطأ لا يغتفر عندما اشترت لى بعض قطع الأثاث حتى أضيفها إلى بيتى الجديد لأنه أكبر ويحتاج إلى مفروشات أكثر من القديم، ولأنها اتصلت بشركة (المطابخ) لتضيف إلى مطبخى القديم بعض القطع الجديده أيضا، كتكملة لما يحتاجه البيت الجديد.

واعتبرها تدس أنفها بدون داعٍ عندما اقترحت على والده – حماى - أن يبنى لأبنائه شققا بدلا من احتفاظه لكل منهم بمبلغ فى البنك، لأن قيمة العقارات فى زيادة دائمة على عكس قيمة المال، ولم ينتبه إلى أن الفكرة لاقت قبولا عند والده ووالدته، وأن والده قد أخذ بها وبدأ فى تنفيذها بالفعل.

وما زاد الأمر تعقيداً أنه أصبح الآن ينفعل وتحمر عيناه لمجرد ذكرهم، ويقدم دائما ظن السوء فى أى شىء يأتى من تجاههم، لقد قال لى ذات مرة أنه يعرف أن الشيطان قد سيطر عليه فى هذه النقطة، ولكن ذلك يحدث رغما عنه، لأنهم هم من أوصلوه لهذه الدرجة.

أنا أتقى الله فيه وأطيعه فيما أحب وفيما أكره، ولكنى تعبت، فعلا أشعر بالألم يعتصرنى على حالى هذا، وأخطر ما أعانيه هو أن البغضاء قد بدأت تتسرب إلى قلبى تجاهه، لم أعد أقبل عليه أو أرغبه، ولم أعد قادرة على التفاهم معه، كيف لا ومن المؤكد أن النقاش سينتهى بالصوت العالى وبإخراجى مذنبة أنا وأهلى.
لجأت لأهله ولكنهم هم أنفسهم لم يقدروا عليه وعلى عناده وصلابة رأيه، ولكنى لم أعد أنا، لقد تحولت إلى آلة، أضحك فى وجهه، وأطبخ وأنظف، وأقوم بواجباتى دون أى روح، أو حب، أو مشاعر كما كان فى الماضى، وهذا شىء فى حد ذاته يقتلنى ويمرر حياتى.

وسؤالى لكى يا دكتورة هل تعتقدين أن فى استطاعتى فعل شىء لتغيير هذا الوضع؟، وإن لم أنجح كيف يمكننى التعامل معه والحياة على هذا الحال؟ أخشى أن أفقد أى تجاوب من ناحيته فى المستقبل، ولا أعرف كيف أمنع نفسى من ذلك؟



وإلى (ر) أقول:

معك حق...الوضع صعب وخانق، ولا أتعجب من كل ما تشعرين به كنتيجة لموقف زوجك، ففعلاً لا يمكن أن يكون الخلع من الجذور أمراً سهلاً، ولا قطع الرحم بالشىء الذى يمر وكأن شيئا لم يكن، ولكن...
أليس من العجيب تبدل موقف زوجك هكذا فجأة؟ فهناك نوع من الرجال يصعب عليهم التآلف والانصهار داخل عائلة الزوجة، فإن كنت قلت أن زوجك كان من هذا النوع من البداية، لأصبح الأمر مفهوما، لكن ذلك لم يحدث، ولقد كان زوجك وأهلك أحبابا بالفعل من قبل، فماذا حدث؟، من المؤكد أن أمرا هاما قد وقع، حتى وإن لم يكن يبدو هاما بالنسبة لك أنت أو لعائلتك، ولكنه بكل تأكيد كان هاما وفارقا مع زوجك.

الأمثلة التى ذكرتيها عن تصرفات والدتك قد لا تعتبريها تدخلا، وقد لا أعتبرها أنا أيضا كذلك - على حسب روايتك - فهى تصرفات إيجابية، الهدف والنية من وراءها المساعدة وتحسين حياتك وبيتك، لكن تلك هى (العناوين العريضة)، بدون تفاصيل، والتفاصيل هنا مهمة ولها دورها فى الحكم على الأمور، فمثلا...إن كنتى قد فاتحت زوجك فى رغبتك فى شراء شىء معين، كبعض قطع الأثاث الإضافية،أو تكملة أجزاء جديدة لمطبخك، وهو أبدى لك رفضه، أو طلب منك التأجيل والانتظار لبعض الوقت، ثم جاءت والدتك واشترت لك هذه الأشياء، فكيف له أن يفهم الأمور؟، سيفهمها بإحدى الصور الآتية: إما أنك أنت ووالدتك لم تهتما برأيه، وضربتما به عرض الحائط، وفعلتما ما تريدان حتى وإن كان ضد رغبته، وليفعل ما يفعل.

أو أن والدتك اشترت لك ما قد (عجز) هو أو (قصر) فى شراءه، وبالتالى فقد يفهم أن والدتك تعمدت أن يبدو هو صغيرا فى عينك، وأنه غير قادر على توفير متطلبات بيته، أو أضعف الإيمان قد يكون شعر بأنك تستغنين عنه وتجدين عنه بديلا ينفذ لك طلباتك ورغباتك، فكانت أمك هى البديل، وكأنك تقولين له سأفعل ما أريد بك أو بدونك.

أنا متاكدة أن والدتك تريد سعادتك وراحتك، وتتخيل أنها بتوفيرها لك كل ما تطلبين ستصبح حياتك أسهل وأحسن، لكن الأمور لها أوجه كثيرة، ومن الممكن جدا أن تفهم بشكل عكسى وخاطئ من زوجك وأهله، لهذا كان رد فعله الغريب وغير المفهوم بالنسبة لك.

ومع تكرار مثل هذه المواقف - حسنة النية - من والدتك، أصبح لدى زوجك حساسية مفرطة تجاهها وتجاه أهلك، ورد فعل عكسى مسبق ضد أى من آرائهم وأفعالهم، حتى وإن كانت آراء جيدة وأفعال نافعة، كرأى والدتك باستثمار المال فى العقارات بدلا من إيداعها فى البنك، فقد يكون رأى سديد، وقد يكون أعجب حماك فعلا وبدأ فى تنفيذه، لأن حماك استمع إليه بحيادية، وبشكل متعقل، بينما عند زوجك الأمر يختلف، فما رأى والدتك هذا إلا مزيد من الخطى التى ترسمها لكما فى حياتكما لتسيرا عليها كما تريد هى.

أنا لا أقبل ما يفعله معك زوجك من محاولة حرمانك من أهلك، أو حرمانهم منك، ولكنى فقط أحاول أن أفسر لكى لماذا يتصرف هو بهذا الشكل، حتى نستطيع أن نصحح من الوضع الذى يضايقه، فتخف حدته ويقل رفضه لكل شىء يأتى من ناحية أهلك أو من (رائحتهم) كما يقال، فحاولى ألا ينفذ لك أهلك ما اعترض هو عليه من قبل، أو عجز عن تحقيقه إلا برضاه أو بمشورته، وإما أن تسمحى لهم بمساعدتك وتلبية طلباتك سراً أو فى صمت، دون تعمد إخباره بأن الأمور تتم على خير ما يرام ونحن فى غنى عنك وعن مجهوداتك...شكراً.

ومن ناحية أخرى، أريدك أن تصارحى زوجك بهدوء، وأؤكد على (بهدوء) جدا، اختارى وقتا يسمح لك بمحاورته، وقولى له التالى:

أولا أنك تحبينه وحريصة على طاعته، فيما يحب حتى وإن كنت تكرهينه - كما قلت فى رسالتك- وأنك تجاهدين نفسك فى أن ترضيه حتى وإن كان على حساب نفسك، ولكنك لا تستطيعين الاستغناء عن أهلك، وأنه ليس من حقه أن يفعل بك هذا من الأساس، وأنه لا يحل له أن يحرمهم هم منك ومن برك وسؤالك ومساعدتك لهم فى المستقبل ومع كبر سنهم وضعفهم أو مرضهم، فعليه ألا يضعك فى موقف مفاضلة بينه وبينهم رحمة بك وتقديرا لمشاعرك وموقفك.

ثانيا اجعليه يفهم أن ما يجبرك عليه، ومحاولتك إرضاءه رغماً عنك تؤثر على حبك له، وتباعد بينكما نفسياً، وأنك تخافين من أثر ذلك على علاقتكما على المدى الطويل، اشرحى له ما شرحتيه لى بالضبط فى رسالتك من مشاعر، ولكن انتقى ألفاظك طبعا بحيث تكون غير جارحة أو مهينة، اسأليه كيف سيكون شعوره تجاهك لو طلبت أنت منه أن يبعد عن أهله؟، كيف كان سيحافظ على محبتك فى قلبه وهو يشعر أنك أنت السبب فى افتقاده لأهله وافتقادهم هم له؟ اطلبى منه أن يعمل ضميره فى هذا.

وثالثا أخيفيه، نعم أخيفيه قولى له هل ترضى أن يفعل زوج ابنتك بك هذا فى المستقبل؟ هل ستكون راض إذا جاء من يأخذ منك ثمرة عمرك هكذا ببساطة؟، بل وحرمك من رؤيتها وقتما تشاء؟ هل ستشعر بالراحة إذا علمت أن مجرد صلتك بابنتك ستكون سبباً فى تعاستها وشقائها وخلافها مع زوجها؟ من المؤكد أنه ينسى أنه من الممكن أن يكون هو نفسه فى نفس الموقف بعد عدة سنوات، وأنه عندما يتذكر سيبدأ فى إعادة التفكير فى الأمر.

ورابعاً وكما أقول دائما لاشىء يستحيل على الدعاء، اطلبى من الله باستمرار أن يصلح ذات بينكما وأن يؤلف بين القلوب، توكلى على الله وخذى بالأسباب، ثم اتركى الباقى له.

وأخيرا كلمة إلى كل زوج، قد تمكنك الظروف والعادات والتقاليد من فرض الكثير من الأمور على زوجتك، والتى قد تنفذها إرضاء لك مضطرة، فيبدو لك الأمر وكأنك ربحت، ونجحت فى تنفيذ رغبتك رغماً عن أنف الجميع، ولكن نصيحتى لك...احذر غضب وألم وحزن زوجتك الصامت، فأنت نفسك أول من سيخسر عندما تقل فى نظرها، وتبعد عن قلبها، وتنفر منك روحها، حتى وإن لم تخبرك أو توضح لك، تماما كما تقول صاحبة الرسالة، خاصة وإن كانت رغبتك بعيدة تماما عن الدين والشرع والفطرة السليمة، فأين الربح فى أن تجعلها تخسر أهلها، فتكون النتيجة أنك تخسرها أنت أيضا؟، ولكن بالتدريج وإلى الأبد.

للتواصل مع د. هبة وافتح قلبك: h.yasien@youm7.com







الأكثر تعليقاً